«التضخم» يتصدر مجدداً هاجس الشارع السعودي وقلق حيال موجة ارتفاعات جديدة في السلع الاستهلاكية
07-10-2010 06:20
بديلا عن هموم أسواق الأسهم التي لا تزال تشغل السعوديين كثيرا في هذه الأيام، فإن الحديث عن التضخم ومسبباته وعلاجه بدأ مرة أخرى يتصدر اهتمامات الشارع السعودي، مع ازدياد المخاوف من عودة معدلات التضخم القياسية في المملكة، وتسجيل مستوى التضخم أول صعود له في مايو الماضي عند 5.4 في المائة على أساس سنوي نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ مايو 2009. ويبدو أن الحديث عن مستويات التضخم في الشارع السعودي قد يحلّ محل كل الاهتمامات الأخرى، خاصة مع قرب حلول شهر رمضان وموسم عيدي الفطر والأضحى، والتي غالباً ما ترافقها موجة من الارتفاعات القياسية في أسعار المواد الغذائية على وجه التحديد.
وأحدث بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات عن الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة لجميع سكان المملكة خلال شهر مايو 2010، أظهرت ارتفاعاً لمستوى التضخم إلى 5.4% خلال شهر مايو 2010، كما ارتفع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة إلى 127.8 نقطة خلال شهر مايو 2010 مقارنة ب 121.3 نقطة في شهر مايو 2009، علماً أن مستوى التضخم يقاس بنسبة التغير في تكاليف المعيشة بين الفترة الحالية ونفس الفترة المقابلة لها من السنة الماضية، ويعرف انخفاضه من ارتفاعه بمقارنته مع الشهر الذي سبقه.
ومن المفارقات أن شبح التضخم خلال العام الماضي لم يدم طويلاً في دول المنطقة بأجمعها ومنها السعودية، والذي أرقّ على مدار سنوات صانعي السياسة، ففي الوقت الذي طغت فيه المخاوف من قدوم الانكماش الاقتصادي بسبب الأزمة العالمية على جميع نقاشات العام الفائت، غاب الحديث عن التضخم في 2009 إثر انخفاض مستوياته، كما حلت البطالة وفقدان الوظائف محل رفع الأجور ونقص العمالة التي كانت سائدة في الأعوام الأخيرة، وانفجرت فقاعة العقار وتعرضت أسعار السلع لتصحيح بشكل كبير، وشهدت البنوك عملية تقييد لسيولتها.
وخلال العام الماضي تضافرت مجموعة من العوامل الاقتصادية أبرزها الأزمة المالية في تخفيف ضغوط التضخم، مع تباطؤ النمو بشكل ملحوظ، لكنّ من المرجحّ أن يشهد النصف الثاني من هذا العام عودة الجدل مرة أخرى حول مستويات التضخم التي بدأت في الارتفاع بشكل تدريجي، ما يعني أن الشارع السعودي سيعيد سيناريو الانشغال مرة أخرى بالقضية الاقتصادية القديمة المتمثلة بالتضخم، إذ بدأ يطغى حديث السعوديين عن التضخم على أي حدث آخر.
وبين آراء شعبية تطالب بضرورة إحكام الرقابة على الأسعار وجعل معالجة مشكلة التضخم هدفاً جوهرياً للجهات الحكومية المختصة مثل وزارة التجارة والصناعة، تدور في الجانب الآخر نقاشات اقتصادية معمقة ومستفيضة عن دور التضخم المستورد عبر تراجع قيمة الدولار الذي ترتبط عملات دول الخليج به بسعر ثابت.
وتبرز حدة مشكلة انعكاس إثر تراجع قيمة الدولار على التضخم، عندما نعرف أن نحو 35% من واردات دول مجلس التعاون الخليجي هي من أوروبا، وأن نسبة الواردات من الولايات المتحدة لا تشكل أكثر من 10%.
وينقسم الرأي الاقتصادي بشأن مسألة فك الارتباط بالدولار الأميركي باعتبارها أحد أهم الحلول المطروحة لمواجهة التضخم والتقليل من تأثير الدولار الضعيف، فالعديد من المسؤولين الحكوميين الخليجيين يعربون عن ثقتهم بأن مسألة ضعف الدولار آنية ولن تستمر طويلا، في الوقت الذي يرى خبراء اقتصاديون أن على الدول الخليجية الاتفاق على آلية جديدة لتسعير عملاتها للتخلص من الآثار قصيرة وبعيدة الأمد لضعف الدولار.
والأمر الذي قد يزيد من صحة الترشيحات بعودة مستويات التضخم في السعودية إلى الارتفاع، استمرار حالة ضعف وتذبذب الدولار، وهو ما سيستمر بالانعكاس سلبا في حال حدوثه على مستويات التضخم في السعودية خلال العام الحالي، في الوقت الذي يخشى فيه المستهلكون عودة التسارع المخيف في معدلات التضخم بالسعودية كما حدث في العام الماضي، الأمر الذي يستدعي أن تتدارك الجهات الحكومية الموقف خاصة فيما يتعلق بالشق العقاري.
وهنا رأى الدكتور عبدالله الحربي أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن أن ربط الريال السعودي بالدولار الأميركي يقيد جهود السيطرة على التضخم، حيث إنه يرغمها على اقتفاء أثر أسعار الفائدة الأميركية ويرفع من تكلفة الواردات، مشيراً إلى أن معدلات التضخم المرتفعة تعود أيضاً إلى ارتفاع الطلب العام الناتج عن زيادة الإنفاق الحكومي وزيادة معدلات انفاق القطاع السكاني.
وأضاف "إذا كان هناك ارتفاع في الطلب ونقص في المعروض فإن الضغوط التضخمية سترتفع"، إلا أنه قال أنه لا يمكن الجزم بما سيحدث خاصة مع تبعات الأزمة المالية التي تعصف بالعالم، مشدداً على أن تراجع أو بقاء معدلات التضخم عند المعدلات الطبيعية مشروط بنجاح الجهات الحكومية في تطبيق حزمة من السياسات الاقتصادية المخصصة لهذا الغرض، وتشديد الرقابة الحكومية على الأسواق لمنع أي محاولات لرفع الأسعار دون مبرر. وبينما يرى بعض الاقتصاديين صعوبة التنبؤ بالمستويات التي قد تصل إليها معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة، إلا أن هناك شبه اتفاق على أن هذه المعدلات مرشحة للارتفاع، وأنه قد يعود في المستقبل القريب لبعض مستوياته المرتفعه التي حققها خلال السنوات الأخيرة، وذلك في حال زادت ضغوط التضخم عالميا، وبقي الدولار ضعيفاً، واستمر الطلب القوي على المساكن، وانخفض المعروض أو كان بعيداً عن مستويات الطلب.
وربط الدكتور توفيق السويلم المدير التنفيذي في دار الخليج للأبحاث والدراسات الاقتصادية الضغوط التضخمية بعوامل خارجية ومحلية والأخيرة قد تكون العامل الأقوى، مضيفاً "شهدنا رغم الأزمة العالمية التي عصفت في الكثير من الاقتصاديات طفرة في الطلب المحلي، والثقة في مستقبل الاقتصاد السعودي في ازدياد بالرغم من تبعات الأزمات المالية العالمية، وهو ما قد يرفع الطلب على الخدمات بشكل أكبر". وطالب السويلم بضرورة أن تسارع الجهات الحكومية المعنية إلى إحكام قبضتها والسيطرة على التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الإيجارات من خلال سنّ المزيد من التشريعات المنظمة والقوانين التي تسمح بمعالجة الشق العقاري وضخ أموال أكبر في المشاريع العقارية التي قد تنهي قضية المساكن المؤجرة التي يشغلها غالبية السعوديين.